معنى مفهوم العلمانية

مفهوم: العلمانية

أولا : العلمانية في اللغة

نسبة إلى العالم بمعنى العالم وهي ترجمة لكلمة  sécularism في الإنجليزية وsecularite وlaïcité بالفرنسية. وهي في الأصل مصطلح أوروبي ذومضامين واسعة وتاريخ طويل ومعقد ومصدرها كلمة saecularis اللاتينية التي تعني زمني أوقرني أي أنها تهتم بالأمور الزمنية وبما يحدث في العالم الأرضي في مقابل الأمور الروحانية التي تتعلق أساسا بالعالم الآخر. والعلمانية بفتح العين على خلاف العلمانية بكسر العين, فالأولى نسبة إلى العالم كما أشرنا, والثانية نسبة إلى العلم وهي مذهب فكري يدعي أن المعرفة العلمية هي معرفة موضوعية مطلقة وأنه ينبغي تعميم طرائق البحث العلمي على جميع حقول المعرفة الإنسانية  [1].

ثانيا :    العلمانية في الاصطلاح                                                                                  

 يقول عبد الهادي بوطالب* “يعرفها البعض بأنها فصل الدين عن الدولة, ويعرفها البعض بأنها فصل  السلطة الروحية عن السلطة الزمنية, أوأنها فصل الديني عن السياسي ويقدمها البعض على أنها عدوة الدين, وأنه لايمكن إيجاد علاقة تواصل وتعايش بينهما…والعلمانية عند البعض الآخر تعني الانخراط  في الحداثة وما بعدها بجميع محتوياتها ومضامينها ومقومات فلسفتها التحررية… العلمانية دعوة تجديدية لتحكيم العقل في تصريف شؤون المجتمع بما يجعل المجتمع يعيش عالمه وعصره. وعلى ذلك يمكن كسر العين في كلمة العلمانية العربية لنسبتها إلى العلم على غير قياس لغوي, أوفتح العين نسبة إلى العالم على نسبة غير خاضعة أيضا لقواعد اللغة العربية, وبصفة عامة إن العلمانية كانت تسعى في البداية إلى تحرير الدولة من سلطة الدين, وتقف من الدين على حياد بل تعترف باستمراره وتلتزم بالمحافظة عليه, وتحصره في المجال الروحي وعلى أن لا يكون دين الدولة الرسمي الذي تنص بعض الدساتير عليه”[2].                                                                                                                

   تعريف العلمانية لعبد الوهاب المسيري

 ويذهب عبد الوهاب المسيري* إلى أن العلمانية ليست مجرد فصل الدين أوالكهنوت عن الدولة أوما يسمى الحياة العامة, فمثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى للحياة ويقول”وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية المتجاوزة لقوانين الحركة المادية والحواس عن العالم, أي عن كل من الإنسان في حياته العامة والخاصة والطبيعة, بحيث يصبح العالم مادة نسبية لا قداسة لها. ويمكن القول أن العلمنة هي الترشيد المادي أي إعادة صياغة الواقع المادي والإنساني في إطار نموذج الطبيعة/المادة بالشكل الذي يحقق التقدم المادي وحسب مع إبعاد كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية والإنسانية, وكل العناصر الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار بشكل تدريجي ومتصاعد في مختلف مجالات الحياة الواحد تلوالآخر, بحيث يصبح كل مجال خاضعا للقوانين المادية الكامنة فيه, ويختزل الواقع الطبيعي والإنساني إلى القوانين المادية “[3].

 إذن فالعلمانية هي فصل الدين عن السياسة من جهة وحياة المجتمع من جهة ثانية وعن التفكير من جهة ثالثة, وتبعا لذلك فإنها أي العلمانية تضمن عدم تدخل المؤسسات الدينية في شؤون نظيرتها السياسية والعكس صحيح, كما أنها تفيد معنى حرية التدين والاعتقاد من عدمه فلا تفرض الدولة دينا ولا يميز فرد بدينه أولونه أوعرقه، وإنما يكون أفراد المجتمع بوصفهم مواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات وتوضع القوانين وفقا لما وصل إليه العقل وأدت إليه المصلحة والحاجة وليس لما تنص عليه الكتب الدينية.

أما العلمنة فهي التطبيق العملي لتلك النظرية في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

تعريف القرضاوي للعلمانية

ويقول القرضاوي* في كتابه الإسلام والعلمانية وجها لوجه “العلمانية ترجمة غير دقيقة بل غير صحيحة لكلمة  sécularisme في الإنجليزية   sècularitè  بالفرنسية , وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق, والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أوالدنيوية لا بمعنى ما يقال الأخروية فحسب بل بمعني أخص وهوما لا صلة له بالدين أوما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد, وإنما ترجمت الكلمة الأجنبية بهذا اللفظ العلمانية لأن الذين تولوا الترجمة لم يفهموا شيئا من كلمتي الدين والعلم إلا كما يفهمه الغربي المسيحي منها, والدين والعلم في مفهوم الإنسان الغربي متضادان متعارضان فما يكون دينا لا يكون علميا  وما يكون علميا لا يكون دينيا, فالعلم والعقل يقعان في مقابل الدين والعلمانية  والعقلانية في الصف المضاد للدين”[4].

ويتضح من هذا القول أن العلمانية تعني على وجه الدقة اللاديني، وهي تقوم بنفي الدور الإلهي  أوالديني في تنظيم شؤون المجتمع, كالإدارة والسياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة, والإبقاء على هذا التنظيم بشريا بحتا تتصارع فيه برامج البشر ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة دائما. وفي هذه الحالة يبقى الدين محتفظا بقداسته وبدوره في تنظيم الجوانب الروحية والأخلاقية للإنسان دون التدخل في الممارسات السياسية.

إنها فلسفة تنطوي على محاولة إدراك معنى العالم المادي بوصفه معقولا وعلى إمكانية إدراكه, وبالتالي تغييره دون حاجة للقوى الفوقية والسماوية, وبعبارة أخرى إنها عزل الدين عن حياة الإنسان فردا كان أومجتمعا, بحيث لا يكون للدين سلطان في توجيهه أوتثقيفه أوتربيته أوالتشريع له أوباتخاذه منهجا للعلم أوالتحليل وإنما انطلاقا من العقل. ومن هنا التناقض الكامل مع الشريعة الإسلامية التي هي ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام, فهي وضع الهي وليست اجتهادا إنسانيا, إنها منهج ودستور شامل لحياة الإنسان أما العلمانية فإنها تريد توجيه الحياة بمعزل عن السماء.


[1] محمد كامل, الصراغ بين التيارين الديني والعلماني ص113.

عبد الهادي بوطالب أستاذ جامعي سابقا.

[2] عبد الهادي بوطالب, العلمانية في العالم العربي ص10.

* عبد الوهاب المسيري مفكر ورائد العلمانية في العالم العربي.

[3] عبد الوهاب المسيري, العلمانية تحت المجهرص122.

[4]  يوسف القرضاوي, الإسلام والعلمانية وجها لوجه ص48                                                                                .  

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *