العلمانيون بالمغرب “الجزء الثاني”

الدولة العلمانية

يدع العلمانيون إلى إقامة الدولة العلمانية الديمقراطية حيث تضمن المساواة والحرية، إنها بناء مؤسسة الدولة على أساس المواطنة دون أي اعتبار للانتماءات الدينية أو العرقية أو الجنسية، كما أنها وسيلة للاعتراف بالآخر وبحقه في الوجود والعمل. إنها فضاء إنساني كبير يعيش فيه الناس بكونهم مواطنين فقط لا باعتبارهم مسلمين ويهود ومسيحيين سنة وشيعة، إن الدولة هي كيان علماني بطبيعته لا يمكن أن يصطبغ بصبغة طائفية أوعرقية فهي ملك للجميع ومن أجل الجميع، هكذا فمن المستحيل قيام ديمقراطية حقيقة دون علمانية[1].

العلمانيون والفصل بين الدين والسياسة

ويدحض العلمانيون ادعاءات جماعات الإسلام السياسي باستحالة الفصل بين الدين والسياسة، فحسب العلمانيين لم تكن السياسة يوما من صميم الدين ولا هي من مقتضياته، كما لا ينص الدين على السياسة، كما أنها ليست من أركان الإسلام، حيث أن هذا الأخير لا يعتبر من لا يمارس السياسة خارجا عن الدين، كما لا يوجد مصطلح سياسة في القرآن الكريم، كما أن مصطلح الدولة غير موجود في القاموس السياسي الإسلامي، بل إنه ارتبط بالسلالات الحاكمة حيث نقول دولة بني أمية ودولة بني العباس، بالإضافة إلى ذلك إن كلمة دستور غير موجودة في لغتنا، كما أن فكرة القانون الملزم للجميع ليست من أساسيات تشريعاتنا القانونية، كما أن مصطلح خلافة بالمعنى الذي يطالب به الإسلاميون لم يرد في القرآن[2]. وتكمن خطورة الإسلام السياسي حسب العلمانيين في إدخال المقدس الديني في وحل السياسات الضيقة، وفي صراع القوى الطائفية والمذهبية من أجل استهلاك الدين.

فالعلمانية لا تتعارض مع الدين خلافا لما تعتقده جماعات الإسلام السياسي، فالعلمانية لا ترمي إلى ممارسة القطيعة بين الدين والمجتمع بل تهدف إلى القطيعة بين السياسة والدين، إنها تحاول تكوين الشخصية العلمانية المتنورة الإنسانية التي تساعد على إقامة الدولة الحديثة الديمقراطية الحريصة على انسجام الجسد مع الروح، وعلى تناغم سليم بين متطلبات الدين والدنيا، وهذا ما يفرض تجديد الفكر الديني لينسجم مع الحداثة، وهكذا فعلى رجل السياسة أن يحرص على تطوير البنيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، كما ينبغي أن يحرص الفقيه والمتخصص في الدراسات الدينية على تطوير الأسس الدينية للمنظومة الأخلاقية للمواطنين عن طريق تعميق الأخوة والمساواة والتضامن واحترام الآخر[3].

بالنسبة للعلمانيين تستند جماعات الإسلام السياسي في رفضها للعلمانية إلى أقوال بعض المفكرين, إن هناك تمايزا بين علمانية الدولة وعلمانية بعض المفكرين، فالأولى ليست علمانية فلسفية بل إنها علمانية سياسية وحقوقية وإدارية، بينما الثانية علمانية فلسفية إلحادية، فليست آراء هؤلاء المفكرين ملزمة للدولة، وذلك أن الإلحاد يتعارض ووظيفة علمانية الدولة وشروط قيامها على الفصل بينها وبين الدين، ولا يعني هذا الفصل معاداة الدين ومحاربته، بل ينبغي قيام كل منهما في آن، حيث يختص الدين بالشؤون الروحية وتختص الدولة بالشؤون الزمنية، فالدولة العلمانية تقوم على استقلال الدولة عن الدين بإدارة شؤونها الزمنية بعقلانية أي إستنادا إلى العقل، ثم حرية الضمير والعبادة والدين والعقيدة في إطار الشؤون الروحية والمساواة في الحقوق بين الأديان والمعتقدات مع ضرورة تطبيق هذه المساواة مجتمعيا، ويترتب عن هذا احترام الدولة لإنسانية مواطنيها.

كما تُعْنَى الدولة العلمانية بسلوك المواطن ومدى احترامه للقوانين التي تواضع أفراد المجتمع عليها ولا دخل لها في الضمائر، كما أنها دولة الإنسان المواطن سواء كان مؤمنا أوملحدا أكان ينتمي إلى دين الأغلبية أو الأقلية، فهي تضع القوانين وتطبق الجزاءات على المواطن وتترك السيئة للعقاب الأخروي، إن الدولة العلمانية دولة مدنية وتشكل مدنيتها هوية رسمية لكل مواطن من مواطنيها. تقوم علمانية الدولة على عدم معاداة الأديان وهذا مبدأ جوهري تطبقه الدولة الغربية العلمانية، كما أن قيام الدولة العلمانية على مبدأ الحرية يدحض كل قول يذهب إلى أن علمانية الدولة علمانية ملحدة أومعادية للدين.


[1] محمد بوبكري, تأملات في الإسلام السياسي الإسلام والعلمانية  الكتاب الاول ص103.

[2] نفس المرجع الصفحة ص101.

[3] نفس المرجع ص102.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *