العلمانيون بالمغرب “الجزء الثالث”

العلمانيون

بالنسبة للعلمانيين ليست العلمانية أيديولوجيا كما أنها ليست نظام حكم، فهي قواعد لعبة مثلها مثل الديمقراطية التمثيلية وهما ينهضان على نفس القيم، والعلمانية شرط للعدالة والديمقراطية إذ بدونها يصبح الدين ألعوبة في أيدي رجال الدين والحكام على حد سواء. وهكذا صارت العلمانية طريقا لدخول المجتمعات عصر الدولة الديمقراطية عصر بناء المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بدون علمنة التفكير ووظائف الدولة ومجمل الأحوال الاجتماعية[1].

ويطلعنا محمد بوبكري* عن رغبة جماعات الإسلام السياسي في الوصول على السلطة لكنها تعي استحالة إنجاز ذلك الآن عن طريق العنف، ولكن باللجوء إلى تأسيس مؤسسات وأحزاب وتحويل الإسلام كما تقرأه حرفيا إلى مؤسسة تحتكر الدين لأنها تعرف أنه بدون هذه المؤسسات الدينية لا يمكنها الوصول إلى السلطة، بالنسبة لمحمد بوبكري إن التمييز بين جماعات الإسلام السياسي المعتدلة، وجماعاته المتطرفة أمر وهمي، فالمتطرفون خرجوا من معطف المعتدلين وكلهم ينهلون من فكر واحد، والسبب في شيوع هذا التمييز حسب بوبكري هو قيام بعض تنظيمات حركة الإسلام السياسي مؤخرا بإبداء قدر من الانفتاح كرد فعل دفاعي تجاه اتهامها باللاديمقراطية، وكذلك للاستفادة من الديمقراطية باعتبارها نظاما يسمح بحرية العمل الحزبي والتنظيم الجماهيري والمنافسة السياسية للوصول إلى الحكم، وهذا ما حذا بجماعات معينة إلى الاقتناع بوجود إسلام سياسي معتدل يسمون بالمعتدلين وتنظيمات التطرف والعنف.

فكافة جماعات الإسلام السياسي في المغرب تنتمي إلى نسق فكري واحد وذلك حتى وإن اختلف بعضها عن بعض في الشعارات والأفكار وأساليب العمل، لكنهم يجمعون على هدف واحد هو الاستيلاء على السلطة والحكم وتقويض أسس ودعائم الدولة المدنية في المغرب وبناء دولة دينية، وبالتالي وجود حبل سري بين المعتدلين والمتطرفين قائم على تقسيم العمل بين الطرفين، حيث يجب أن يمارس المعتدلون العمل السياسي المشروع ويعملوا على السيطرة على بعض مؤسسات الدولة والمجتمع، وذلك اعتمادا على أساليب وآليات سلمية ومشروعة، وبهدف إنهاك النظام وتشتيت جهوده تمهيدا للإطاحة به، يلزم المتطرفون بممارسة العنف والإرهاب ضد الدولة والمجتمع في آن، وبذلك تكون الجماعات الإرهابية بمثابة الجهاز السري لمن يسمون بالمعتدلين[2].

ويعتبر محمد بوبكري أن الحوار والتوافق بين القوى الديمقراطية وجماعات الإسلام السياسي مستحيلة، وأن الداعين للحوار مع جماعات الإسلام السياسي على خطأ حينما يعتقدون أن جماعات الإسلام السياسي قابلة للتحول إلى أحزاب ديمقراطية ترفض العنف والإرهاب وتخوض العمل السياسي العلني بأحزاب دينية الصبغة والشعارات، الأمر الذي جعلهم يرغبون في الحوار معها لأنهم صاروا ينظرون إليها بكونها الشبيه المحلي للأحزاب المسيحية في بعض البلدان الأوروبية، والحقيقة حسب بوبكري أن هناك فرقا شاسعا بين تلك الأحزاب في أوربا وبين جماعات الإسلام السياسي، فالأحزاب المسيحية لا تمتلك برنامجا مستمدا من شريعة سماوية أومعتمدا عليها أوحتى مستشهدا بها، وعلى النقيض من ذلك تعتقد جماعات الإسلام السياسي أن الإسلام سياسة وأنها الوحيدة التي يحق لها تنفيذها[3].

وعلى العموم إن الحوار الإسلامي اليساري العلماني قد تحقق فعلا بالمغرب رغم وجود نوع من الميل نحوالراديكالية لدى كلا الطرفين العلماني واليساري، لكن ذلك لا يمنع من إيجاد توافقات بين الطرفين كأرضية للعمل.


[1] نفس المرجع ص 222.

.محمد بوبكري أستاذ باحث بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط.

[2] محمد بوبكري, تأملات في الإسلام السياسي في محاورة جماعات الإسلام السياسي  الكتاب الثاني ص 71.

[3]  نفس المرجع ص77.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *