العلمانيون بالمغرب “الجزء الأول”

العلمانيون بالمغرب

شهد المغرب ظرفا مناسبا في سنوات الثمانينات والتسعينات، وبفضل المرونة التي بدأ يبديها نظام الحسن الثاني والخروج من سنوات الرصاص، أصبح من الممكن آنئذ بالنسبة لمناضلي اليسار أن ينتظموا في إطار تيارات ديمقراطية رغم بعض الصعوبات، فنشأ في هذا السياق اليسار الاشتراكي الموحد، الفضاء الجمعوي، والمنتدى الاجتماعي المغربي، وتنظيمات أخرى سياسية ومدنية، ومن الصعوبات التي واجهتها الحركة الديمقراطية بكل اتجاهاتها نجد غياب تقاليد ليبرالية تتيح لمختلف مكونات هذه الحركة التعاون بشكل منهجي من أجل الهدف الذي يحركها جميعا ألا هو الديمقراطية.

ورغم دينامية المجتمع المدني العلماني فإن ضعفه النسبي المتولد عن خروجه الحديث من سنوات الرصاص، ومعاناته من تبعات نظام قائم على المراقبة والرقابة الذاتية يجعلانه يخشى من الاكتساح، بل ومن الابتلاع من طرف التنظيمات الإسلامية ذات الجماهير العريضة، والحال أنه وحده التفاهم بين هذين المكونين للمجتمع المغربي يمكنه أن يؤثر في ميزان القوة، وتجد القوى الديمقراطية ذاتها في مواجهة نظام يراكم مصادر الشرعية ويحافظ عليها ببراعة، شرعية دينية تضاعف من الشرعية الملكية لأن الملك هو أمير المؤمنين في نفس الوقت، وكذلك شرعية وطنية مع استرجاع الصحراء في سنوات السبعينات من طرف نظام الحسن الثاني.

واليسار في الوقت الراهن يقبل بفكرة حرية الناس في أن يكونوا متدينين، وهناك أيضا ضمور لفكرة الاستعلاء الأيديولوجي واعتبار الغير أدنى درجة بمجرد أنه لا ينتمي إلى اليسار. وأصبح يقبل أنه جزء من الكل. وفي المغرب أصبح منطق صناديق الاقتراع يلقن اليسار ضرورة الإقرار بنسبية التمثيل، ويملي على ممثليه في المجالس المنتخبة أن يتعاملوا مع الآخرين بتواضع وأن يقبلوا بواقعية أن يبرم تحالفات مع أطراف من هنا وهناك لتسيير الشأن المحلي، ومن المفارقات التي نجدها لدى اليسار في المغرب هو تجاهلها لمصطلح العلمانية باستثناء فصائل يسارية محدودة، وتشير في وثائقها بشكل أو بآخر إلى انتمائها الحضاري الإسلامي، وحتى بالنسبة للمثقفين والمفكرين العلمانيين هناك حاجز نفسي يمنعهم من الإعلان عن انتماءاتهم العلمانية.

فالعلماني في نظام سياسي مبني على الدين يجد في الإعلان عن انتمائه تهمة في حد ذاتها ثقافية وسياسية، ومسألة الانتماء الصريح والواضح للعلمانية فكريا وسياسيا، مسألة نادرة في المغرب لأن المجتمع تقليدي يسيطر فيه الدين والتأويل المعين له سيطرة كاملة جامعة. هذا المعطى السيكولوجي يحد من حرية التعبير عن الانتماءات المختلفة والمتباينة فباستثناء عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي فكريا و أحمد عصيد سياسيا، لا نكاد نجد فكرا علمانيا بالمعنى القوي للكلمة بل نجد شذرات ومواقف مجتزأة هنا وهناك[1].

العلمانية في الحقلين السياسي و الثقافي

والعلمانية يمكن أن تجد بذورا لها في الحقل الثقافي لكن لا أثر واضح لها في الحقل السياسي، فلا أحد من السياسيين تجرأ يوما على نقد الدين وعلى الفصل بينه وبين السياسة، كما أن معظم الفاعلين السياسيين في الفترة الحالية متدينون ومقتنعون بدرجات متفاوتة بالقناعات الإسلامية التي قد يتباينون في تأويلاتها، وكأن الحقل السياسي المغربي محكوم بقانون بنيوي راسخ هوالتمازج الكبير بين الدين والسياسة لا على مستوى الدولة بل حتى على مستوى الأحزاب والمجتمع المدني. أما على مستوى الأداء الميداني للعلمانيين بالمغرب فانه يعرف ضعفا كبيرا بالمقارنة مع الإسلاميين، فالتيار العلماني ظل يعمل كنخبة وبآليات عمل النخبة دون أن يقترب بما يكفي من الجماهير ومن السكان وعامة الناس, حيث ظل خطابه صالحا للاستهلاك في حدود الفضاءات الرسمية والمدنية الضيقة, بينما خطاب الإسلاميين بشعبويته وبساطته في العرض يؤدي إلى استقطاب الكثير منهم. لقد استعمل العلمانيون دائما آليات النشر والكتابة والتنظيم والنقاش الفكري والسياسي الذي يستهدف أساسا فئات الطلبة ورجال التعليم وظلوا بعيدين عن الجماهير والأحياء الشعبية التي هي معاقل الإسلاميين.


[1] عبد النبي عيدوني, حوارات حول الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب, حوار مع محمد سبيلا ص 27.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *