التصور العلماني للديمقراطية

الديمقراطية عند العلمانيين

الديمقراطية حسب التصور العلماني حصيلة تراث إنساني ساهمت في إنتاجه البشرية جمعاء, فهي لا تنحصر في مجرد نمط اقتراع واحتساب أصوات, بل الديمقراطية اختيار فكري يؤصل لقيمة الفرد والعقل, والاختيار الحر والتعاقد. ويعتمد مساهمة الأفراد في صنع تاريخهم عبر ممارسة حقوقهم وابتداع المؤسسات التي تفي بهذا الغرض، من هذا المنطلق لا يمكن ادعاء الديمقراطية إذا كان البرنامج السياسي لحزب ما يعادي هذا المبدأ, ولا يمكن ادعاء نجاح الديمقراطية حتى ولو فاز البرنامج بأغلبية الأصوات، فإذا كان فكر ما يفاضل بين حزب وآخر لمجرد إعلان الحزب ولاءه لدين من الأديان نكون قد أخللنا بأسس الديمقراطية. لذلك كان على هذه الأخيرة أن تتحصن ضد استعمالها لإرساء أضدادها[1].

إن الحقوق متأصلة لا تقبل التجزئة ولا تقبل الانتقاء, وجوهرها الأول هو مساواة البشر، جميع البشر بصفتهم كذلك في الكرامة المتأصلة فيهم منذ لحظة الولادة, وهي ليست مشروطة بالانتماء لدين أو ملة أو ثقافة أو لغة أو لون أو فئة اجتماعية. ويدين العلمانيون الاستخدام الجزئي للديمقراطية من قبل الإسلاميين, ومن هنا يطالب العلمانيون من الإسلاميين تحديد مواقفهم بكل وضوح اتجاه الديمقراطية, هل تريد ترسيخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كخيار لتحقيق التنمية البشرية للوطن؟ أم تريد بها الدفع بالعمل الدعوي من أجل استرجاع عظمة الدين؟ هل هدفها بناء الدولة الديمقراطية القوية في المغرب؟ أم صياغة وفرض تأويل وحيد للإسلام؟ ففي الخيار الأول حسب العلمانيين تكون الحركات الإسلامية قد أقرت بأن الوطن هو المرجع, وإذا أقرت بأن الوطن هو المرجع فسيكون عليها أن تقر بالتعددية داخل الوطن الواحد, وسيكون لعملها السياسي معنى ولاندماجها في البناء الديمقراطي مصداقية, لأنها ستكون قد خلقت الانسجام في موقفها. فالديمقراطية كنظام سياسي ترتبط بوجود الدولة الوطن لا بالدعوة الدينية, أما في حالة الاختيار الثاني فهو موقف لا يرى في الديمقراطية  أكثر من آلية مرحلية من أجل أسلمة المجتمع  والعودة إلى تقليد السلف الصالح وإعادة بناء دولة الخلافة , ويتساءل صلاح الوديع* أحد العلمانيين المغاربة حول إمكانية توافق الإيديولوجيات السياسية-الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان, ويجيب أنها لا تتوافق والديمقراطية وحقوق الإنسان، نصيبها من ذلك نصيب كل الكليانيات في التاريخ.

والتأصيل لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمانه لخفوت وتلاشي كل الإيديولوجيات الكليانية بما فيها الايدولوجيا الدينية[2]، ويقول محمد بوبكري[3] أن هذه الأحزاب لا تعترف بالأحزاب الأخرى فهي تؤمن بأنها حزب الله وأن الآخرين حزب الشيطان, ويعتبر أن قبولها بتواجد أحزاب أخرى معها في الساحة السياسية مجرد مراوغة من أجل التقاط الأنفاس وتوفير الشروط للوثوب إلى السلطة، وبعد ذلك تنخرط في استئصال الآخرين جميعا، كما أنها تسعى؛ أي حركات الإسلام السياسي إلى الانخراط في ديمقراطية صناديق الانتخابات، وذلك دون تقييدها بقيم الديمقراطية وبشروطها الحقوقية, كحق البشر في التشريع لأنفسهم، لأنها ترفض هذا الحق، فهي لا تؤمن إلا بمبدأ الحاكمية, كما أنها تنكر على المرأة حقها في شخصية إنسانية كاملة ذات أهمية تامة، لكون هذا يتعارض عندهم مع حدود الله, لذلك لاتوجد ديمقراطية بدون علمانية.

حسب بوبكري فلا يمكن لحزب ديمقراطي لا يؤمن بأفكار الديمقراطية ولا بمبادئها وقيمها أن يستغلها للوصول إلى الحكم لكي يفرض نظامه اللاديمقراطي, فدساتير الدول الديمقراطية تتضمن مادة تصنف الناس حسب موقفهم القابل للدستور أو الرافض له, وبناء على هذه المادة لا يسمح للأحزاب التي لا تحترم المبادئ والقيم الديمقراطية بالعمل السياسي القانوني أو المشاركة في العملية الديمقراطية. وما يمكن مآخدته على هذا التصور هو أنه لا يراعي تعددية وتمايز هذه الحركات عن بعضها البعض, حيث لانكاد نجد أصلا في المغرب من جماعات الإسلام السياسي من ترفض مبادئ الديمقراطية, هناك اليوم حزب العدالة والتنمية كحزب إسلامي منخرط في اللعبة الديمقراطية في صف المعارضة يتحالف مع قوى ذات مرجعيات مختلفة. 


[1] صلاح الوديع, مواجهات بين الإسلامين والعلمانيين بالمغرب ص52.

* صلاح الوديع, يساري عضو في حزب الأصالة والمعاصرة.

[2] نفس المرجع الصفحة 54.

[3] محمد بوبكري, تأملات في الإسلام السياسي في محاورة جماعات الإسلام السياسي الكتاب الثاني ص131.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *