التصور الإسلامي” للديمقراطية الجزء الثالث”

اشكالية التوفيق بين الشورى والديمقراطية

كما سبق الذكر أخذت إشكالية التوفيق بين الشورى والديمقراطية حيزا مهما من فكر الخطاب الإسلامي المعاصر. وهكذا برز الموقف المتحفظ من الأساس الفلسفي الذي قامت عليه الديمقراطية, كما برزت رؤية أخرى يمثلها الاتجاه الغالب في الفكر الإسلامي المعاصر، تنتصر للديمقراطية وتعتبرها بمثابة التطبيق العملي لمفهوم الشورى الذي لم يرد مفصلا في القرآن الكريم.

 يصر بعض الإسلاميين على ربط الديمقراطية بسياقها التاريخي المختلف عن بلاد الإسلام، والتركيز على المضمون الثقافي والمحتوى العلماني, واعتبارها زبد تجربة جرت وقائعها في مناخ اجتماعي تاريخي غير مجتمعنا وتاريخنا, وبالتالي فإن الدولة الديمقراطية دولة لائيكية طبعا وأصلا, لا شأن لها بالدين على عكس الحكم الشوري الذي لا يتحقق إلا داخل مناخ أخلاقي تتعبأ فيه قوى كل المؤمنين والمؤمنات ليشاركوا في الحياة العامة, ويعتبر قضايا الحكم من قضايا الدين والمشاركة المخلصة في إقامة حكم شوري نظيف قربة وعبادة[1].

ومثال ذلك عبد السلام ياسين فرغم انه يعترف للديمقراطية بقيمتها الحضارية والإنسانية, لكنه يرفضها لأنها لصيقة العلمانية. فرغم أن الديمقراطية حسب عبد السلام ياسين نظام حكم استقر على علاته, وهو أقل الأنظمة شرا تتعايش مع الكذب والرشوة, إلا أنه يرفضها لأصلها ولطبيعتها العلمانية، ويقدم عبد السلام ياسين بديلا لهذه الديمقراطية بشورى نبوية راشدة. فإذا كانت الديمقراطية قد تواضع عليها الناس لكيلا يتظالموا ولكيلا يسود الاستبداد علاقاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية, ولكي يكون قانونا معروفا يضمن مصالح الجميع فان الشورى عبادة وأمر الهي, فروح الشورى تتجلى في تطلع المؤمنين إلى ما عند الله ولا يصح لهم معنى ولا يستقيم لهم اتجاه إلا إذا طابقت مقاصدهم مقاصد القرآن لأنها شورى تسعى لدولة القرآن[2], فحين نستنطق هذا المصطلح نجد أن الاختلاف بين مصطلحي الديمقراطية و الشورى جذري, وهي تعني حكم الشعب أي قدرة المنتخبين الممثلين للشعب على التشريع دون الخضوع لأي وصاية عليا, أما الشورى فهي الكلمة التي يستعملها القرآن للدلالة على الاستشارة, أي الجهد المبذول للتأويل و التكييف و الفهم, من أجل تطبيق الشريعة المنزلة التي لا يحق للبشر أن يعدلوها. فالشورى و الديمقراطية تنتمي كل واحدة منهما إلى مرجعية مختلفة جذريا عن الأخرى, و الخط التاريخي للديمقراطية باعتبارها لفظا وممارسة اغريقيتين .                                                                               

مبدأ الشورى

ويستشهد عبد السلام ياسين بالآية القرآنية: “وأمرهم شورى بينهم “، حيث تدل هذه الآية حسب ياسين أن الإسلام ترك المجال فسيحا لتتشكل الشورى وتنتظم على أحسن ما يتأتى  في الزمان والمكان, اتخذت في العهد النبوي شكلا بل أشكالا تناسب بساطة العيش وقرب المسلمين من بعضهم, وتعارف الصحابة العارفين بحكم الله فيما تشاوروا فيه ويقول: “ولزماننا ولمكاننا وظروف معاشنا وتشعب مشاكلنا, لا يمكن أن نقتضي بذلك الشكل البسيط الساذج نأخذ الروح لا بد من ذلك, ونتسامى لكمال الإيمان ما أمكن ذلك لكن نجتهد في تنظيم الشورى وسعنا “[3].

وهكذا تستبطن هذه الرؤية رفضها فكريا لمفهوم الديمقراطية, وإيمانا باستحالة تبييئها داخل التربية الإسلامية أو محاولة تخليقها وفق خصوصياتنا المحلية, لأنها تضع الديمقراطية في وضع مقابل للدين، فالديمقراطية حسب هذا المنظور لها عقيدة ولها دين وهو العلمانية. ومن هنا فان هذه الرؤية لا تفصل داخل التجربة الأوربية الحديثة بين التطور الفكري الذي أفرز مفهوم الديمقراطية للحد من هيمنة الكنيسة, وبين التطور المؤسساتي والتنظيمي الذي تجمد في آليات الديمقراطية. وفي مقابل هذه النظرة هناك اتجاه آخر يعتبر بأن الديمقراطية نظام ليس له انتماء وليس له مضمون محدد, فهي لكل جنس ولكل بيئة. تعتبر هذه الرؤية أن جوهر الديمقراطية هو حق الشعوب والجماعات في أن تحكم نفسها باختياراتها وبرضاها, وأن الأفراد سواسية في هذا الحق, ثم تتفرع مبادئ أخرى أفرزتها وأنضجتها التجارب مثل مبدأ الأغلبية, وحق الأقلية في الرأي والمعارضة, ومبدأ فصل السلطات وتوزيعها على هيئات متعددة.

فعلى خلاف النظرة السابقة لا يركز دعاة هذا الرأي على عقيدة الديمقراطية ولا على مضمونها العلماني، بل ينزعون عنها كل انتماء حضاري أو مضمون ثقافي.


[1] نفس المصدرص40.

[2] عبد السلام ياسين, حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص65.

[3] نفس المرجع ص64.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *