التصور الإسلامي للديمقراطية”الجزء الثاني”

انعدام ثوابت الفكر السياسي لدى الفقهاء

وبالإضافة إلى عامل ضعف الطلب على الفقه السياسي, نجد عامل انعدام ثوابت الفكر السياسي لدى الفقهاء[1] فهو من أسباب عدم الاهتمام بالاجتهاد في المجال السياسي. والدليل على ذلك هو أن حركة الترجمة التي عرفها العصر العباسي الذهبي لم تعر الاهتمام لترجمة المؤلفات السياسية لفلاسفة اليونان ومفكريهم مع أنها تشكل مرجعا ثقافيا مهما يمتح منه الغرب المعاصر لإنجاز تقدمه الحضاري. لقد ترجموا كتب الفلاسفة وأهملوا الكتب السياسية لأنها لم تكن مركز اهتمام الفقهاء, ويعود ذلك إلى سببين اثنين أولهما عدم امتلاك العرب والمسلمين لتراث فكري ديمقراطي بنفس القدر الذي نجد عليه الفكر الطغياني . ثانيهما؛ يؤدي الاضطلاع على هذه المؤلفات إلى إثارة أسئلة مهمة حول طبيعة الحكم السياسي والسلطات المطلقة للخلفاء, وهذا ما سيخلق متاعب للمترجمين, وتتحدث جميع كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية وآداب السياسة والحكم عن العدل, لكنها تخلوا من شروح تبين كيفية تحقيقه تنظيميا، فقد تطرق الفقهاء إلى فهم العدل كما يجب أن يكون نظريا, فهم لم يقوموا بتوضيح كيفية التعامل بالعدل على المستويين السياسي والاجتماعي.

وهكذا فقد خلت المؤلفات الفقهية تماما من أي دور سياسي لأفراد المجتمع، ولم يشر الفقهاء إلى حقهم في اختيار حكامهم أو كيفية محاسبتهم أو عزلهم, وعلى العكس من ذلك فإنهم كانوا يحثونهم على الصبر وسوغوا لهم دينيا قبول الظلم، وذلك خوفا من حدوث الفتنة وثورة الناس على الحاكم, ونتج عن ذلك وجود مجتمع إسلامي يرى أن الخضوع والخنوع والصبر على الظلم من قيم صحيح الدين[2].

وخلاصة القول انه لم يحدث ولو مرة واحدة أن بحث الفقهاء في حقوق الإنسان أو حقوق المجتمع إلا في لحظات قليلة في التاريخ العربي الإسلامي, وإذا كان مفكرو الغرب قد بحثوا في مبدأ الفصل بين السلطات والحرية والعدالة وكيفية الانتخاب والتشريع وتقييد سلطات الحاكمين والدستور كقانون أعلى, ووضعوا مواثيق حقوق الإنسان وأسسوا تدريجيا مفاهيم الديمقراطية حتى فرضوها على العالم، فإن فقهاءنا وضعوا جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد الحاكم باعتباره ولي أمر المسلمين الذي يملك سلطة مطلقة للتقرير في كل شيء إلا قلة منهم “الإمام أحمد ابن حنبل”.

فقر في الإنتاج النظري

إن هذا الفقر في الإنتاج النظري يضع الاتجاهات السياسية اليوم أمام تحد كبير يتمثل في ضرورة إعمال الاجتهاد للتعاطي مع المسألة الديمقراطية والعمل على استيعابها في إطار المنظومة الإسلامية, فإلى أي حد استطاعت الحركات الإسلامية ذلك؟

إن هذا الفقر في التأصيل الفكري لبعض المفاهيم السياسية الحديثة كالديمقراطية، وما يرتبط بها من إيمان بالتعددية الحزبية والإقرار بفكرة الدستور, فرض على التيار الإسلامي التعاطي مع هذه القضايا ومحاولة الإجابة عنها والخوض في إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية, والحريات العامة في الدولة الإسلامية, وحكم الأغلبية في الإسلام, ونظام الحكم في الإسلام, والإسلاميون والحكم (كتابات كل من يوسف القرضاوي, وحسن الترابي, وطارق البشري, وعبد السلام ياسين, وغيرهم.) وقد حاولت هذه الكتابات التي تمثل الجيل الثاني لمنظري التيار الإسلامي الحركي أن تجيب على العديد من القضايا ذات الصلة بمفهوم الديمقراطية[3].


[1] محمد بوبكري, تاملات في الإسلام السياسي في محاورة جماعات الإسلام السياسي الكتاب الأول ص16.

[2] نفس المرجع ص19.

[3] عبد العلي حامي الدين, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص31.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *