اشكالية العلاقة بين العلمانيين و الإسلاميين” الجزء الأول”

طبيعة العلاقة

اتسمت العلاقة بين هذين التيارين العلماني والإسلامي بالكثير من التجاذب والتوتر والصراع والمواجهات المباشرة خلال القرن العشرين، وفي المغرب وظف هذا التجاذب في لعبة التوازنات السياسية أتقنها النظام بامتياز، لكن مع التحولات السياسية التي صاحبت الحياة السياسية ببلادنا منذ حدوث التناوب التوافقي، وانتقال الملك إلى محمد السادس، ستعرف الساحة السياسية المغربية المزيد من الاستقطاب اليساري الإسلامي بلغ الذروة مع خطة إدماج المرأة في التنمية، ثم عاد ليتصاعد بعد استحقاقات 2002 حينما ظهر حزب العدالة والتنمية بقوة. ومن المفارقات العجيبة في هذه الفترة المفصلية من تاريخ المغرب أن هذين التيارين وعوض أن ينخرطا في دينامية دمقرطة المغرب انشغلا بالصراع بينهما. بل لجأ الإسلاميون إلى مطالبة الملك بتفعيل صلاحياته كأمير للمؤمنين للتصدي للعلمانيين وخطتهم، أما العلمانيون اليساريون فقد طالبوا بدورهم الملك بتفعيل صلاحياته كأمير للمؤمنين للتصدي للإسلاميين ومنعهم من احتكار الخطاب الديني[1]، إن الدولة المغربية التي ترفض التعامل مع مكونات المشهد السياسي الوطني بحيادية ومساواة وعدالة دونما تمييزأوإقصاء، فشلت في تحقيق انتظارات شعبها فشلا مزدوجا، فشل سياسي حينما فشلت في إنجاز الانتقال الديمقراطي، وفشل اجتماعي اقتصادي. لكنها نجحت في توظيف الخلافات السياسية بين التيارين العلماني والإسلامي، بل وضخمته ليتسنى لها الانفراد في صياغة مستقبل المغرب، وهي مطمئنة إلى استحالة قيام أي تفاهم بين هذين التيارين الوطنيين الكبيرين[2].

ويعود سبب هذه القطيعة الجذرية بين هذين التيارين إلى كون اليسار المغربي متأثر إلى حد كبير بنموذج علماني على الطريقة الفرنسية، أي أنه يتميز بتموقع جذري مناهض لكل ما هو ديني، ومع ذلك فمن النادر أن يعبر عن ذاته بما يفيد مناهضة ما هو ديني, لأن الطابو المحرم الاجتماعي والسياسي جد قوي في هذا الموضوع، لكن هذه المقاطعة للحركة الإسلامية التي تتهم عن حق أو عن باطل بأنها ظلامية ليست دائما منطقية لنذكر أن الملك هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، فهل ينبغي مقاطعة النظام القائم كذلك بما أنه يمثل نزعة إسلامية رسمية؟ كما أن التدين قوي في صفوف المغاربة، وعلى الخصوص منذ سنوات الثمانينات، ومن هنا انكفاء جزء من اليسار المغربي حول موقف علماني يتميز بتضخم على مستوى المعنى أي ينطوي على نوع من الغموض بالنسبة له تعني العلمانية مناهضة الديني[3].

التياران اللذان تصادما وتصارعا بقوة على مدى عقود ظلا يعكسان طبيعة الدولة والمجتمع الموروثين عن المرحلة الاستعمارية، والتي هي طبيعة مزدوجة تحمل عناصر متناقضة بين الأصالة والمعاصرة بين التقليد والحداثة. هذه الازدواجية التي عرقلت بشكل كبير المشروع التنموي الوطني لما بعد الاستقلال، خلقت أزمة هوية عميقة يعكسها تمزق الفكر بين المرجعيات المختلفة، واضطراب السلوك بين المبادئ المعلنة والفعل اليومي، فالتياران معا نتاج تحولات المجتمع المغربي بعد صدمة الحداثة، وبعد الاحتكاك الدرامي المباشر للمغرب بنموذج أجنبي ممثل في فرنسا، هذا الاحتكاك الذي انقلبت بموجبه البنيات السوسيوثقافية للمغرب واهتزت منظومة القيم التقليدية التي كانت تؤطر الوعي والممارسة.


[1] مصطفى المعتصم, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص22.

[2]مصطفى المعتصم, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 24.

 [3] المعطي منجب, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 5.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *