اشكالية العلاقة بين العلمانيين و الإسلاميين” الجزء الثالث”

تطور أشكال الحوار بين الإسلاميين و العلمانيين

ويمكن القول أن الحوار الإسلامي العلماني بالمغرب قد تطور بشكل ملحوظ من الثقافي الفكري إلى السياسي تبعا لوضعية التيارين في المجتمع وعلاقتهما بالسلطة، فقد كان لتزايد حضور الإسلاميين في الحياة السياسية وظهور تنظيمات حزبية إسلامية معترف بها دور كبير في نقل النقاش من مستوى الطروحات الفكرية والثقافية إلى الحوار السياسي المباشر، والذي كان من نتائجه اشتداد نبرة الصراع وتصاعد لهجة الخطاب بين الطرفين وكذا الانتقال من القضايا العامة إلى مناقشة موضوعات دقيقة وخصوصية ذات صلة بتسيير الشأن العام والعمل البرلماني والحكومي وبموضوع الحريات والحقوق.

يتضح مما سبق بأن الذي كان يحكم العلاقة بين الطرفين هو الصراع والصدام، مما جعل لحظات الحوار قليلة، فسواء في الصحافة المكتوبة أو في الندوات أو المناظرات، غالبا ما ينقلب النقاش إلى تبادل للاتهامات مما يدل على أن فكرة قبول الآخر بوصفه مختلفا مازالت لم تترسخ لدى الفريقين، ويمكن الوقوف على الأسباب في العوائق التالية:

 أولا,

الخلافات الأيديولوجية: يعتبر الإسلاميون أن مرجعيتهم مطلقة تستند إلى الدين الذي هو من مصدر إلهي متعال؛

ثانيا،

الصراعات التاريخية: وهي صراعات ميدانية طبعت تاريخ العلاقة بين الفريقين، فأخرجت التنافس من إطاره السياسي السلمي إلى صراع دموي تجاوز كل الحدود، فأزهقت فيه أرواح “اغتيال عمر بن جلون”[1]؛

ثالثا،

عدم استيعاب اليسار العلماني لأهمية العامل الديني في المجتمع: مما أدى إلى عدم تعميق النظر في الإشكاليات التي تطرحها علاقة الدين بالدولة والمجتمع، كما ظل يفتقر بسبب ذلك إلى نخبة علمانية ذات تكوين جيد في الدين الإسلامي والفكر الفقهي؛

رابعا،

عدم الاتفاق حول مفهوم الديمقراطية: حيث يتبنى الإسلاميون منظورا  نفعيا للديمقراطية باختزالها في نزاهة الانتخابات، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع أي صوت الأغلبية، بينما يرى العلمانيون بأن الديمقراطية كل لا يتجزأ، حيث لا يمكن الفصل فيها بين الجانب التقني والجانب الفكري الفلسفي والقيمي؛

خامسا

، اعتبار الإسلاميين المغرب بلدا إسلاميا على وجه الإطلاق: حيث لا يقيمون وزنا للتعددية الدينية والثقافية، بينما ينطلق التيار اليساري من قولة كلنا مسلمون، ليعتبر بأن الإسلام قابل للقراءات المتعددة، وأن ما يدعو إليه الإسلاميون ليس إلا تأويلهم الخاص للإسلام[2].

حوار مبني على مسلمات

لذلك يجب أن يتأسس أي حوار مفترض بين العلمانيين والإسلاميين على مجموعة من المسلمات التي تقوي ثقافة القبول بالآخر، لتشكل الانطلاقة لهذا الحوار المسلمة الأولى هي: الإقرار بأن التيار الإسلامي  تيار أصيل في حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، وهو إحدى تجليات الذات الحضارية لأمتنا والمجتمعات لا تتخلى عن ذواتها.

والمسلمة الثانية: أن التيار اليساري بالرغم من حداثة تكوينه (ظهر مع دخول الاستعمار) لا يمكن تجاهله فهو حاضر في حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية أيضا، فاليساريون شركاء في المواطنة حريصون على خدمة الوطن والأمة.

والمسلمة الثالثة هي أن مجتمعنا قد أصبح بالفعل مجتمعا متعدد المرجعيات: إسلامي، علماني يساري, يميني، والتسليم بهذه المسلمة معناه التعايش[3].

إن المطلوب من اليسار والإسلاميين التخلي عن رغباتهم الذاتية لأنهم فاعلون عموميون، همهم خدمة المصلحة العامة وليس إرضاء رغباتهم الذاتية، لذلك يجب أن يصب الجهد للوصول إلى صيغة التوافق والحوار خصوصا إذا ما كانت الحوافز مشتركة، أولها رغبة الشعب في تحسين أوضاعه بغض النظر عن الخلفيات السياسية والأيديولوجية للمدافعين عن حقوقه، حيث هناك اتفاق في وجهات النظر بين الفريقين حول أسباب التردي الذي تعيشه البلاد ومداخل الإصلاح. ثم إيقاف المد المخزني الذي يستهدف قتل كل اهتمام بالشأن العام بتمييع السياسة وضرورة إيجاد حد للنزيف وإيقاف الكارثة التي تسير إليها البلاد بفعل الاختيارات الفاشلة والمتبعة منذ عقود، وهذه المهمة يصعب على فريق واحد القيام.

إن الحوار العلماني الإسلامي سيكون دليلا على النضج السياسي الذي بلغه الطرفان بتغليب منطق العقل والحوار.


[1] . عمر أحرشان, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 63.

[2] . أحمد عصيد, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 15.

[3] . مصطفى المعتصم, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 25.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *