اشكالية العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين” الجزء الثاني”

الصراع العلماني الإسلامي

وجدير بالذكر أن الصراع العلماني الإسلامي قد تم على مدى العقود المنصرمة في إطار حكم مطلق وغياب الديمقراطية في الحياة السياسية، مما مكن السلطة من استغلال الصراع المذكور للقفز إلى الواجهة وتقديم نفسها كبديل وحيد لكل الأطراف والإمساك عبر ذلك بالتوازنات الكبرى، حيث ساهمت السياسة الرسمية المتبعة في المجال الديني والتربوي في الانتشار المكثف للفكر السلفي وللتيارات الإسلامية بمختلف فصائلها وتياراتها، كما سعت بعد ذلك إلى استعمال اليسار والفكر الحداثي لكبح جماح التطرف الديني بعد أن استفحل وأصبح مصدر تهديد للسلطة[1].

رغبة في التوفيق

وإذا كانت ثمة في صفوف العلمانيين والإسلاميين على السواء بعض التيارات الراديكالية التي رفضت أي شكل من أشكال التعامل مع السلطة, إلا أن معظم التيارات الأخرى قد سعت بشكل ملحوظ إلى البحث عن تحالفات مع النظام لقطع الطريق على التيار المخالف، ففي الوقت الذي سعى فيه الإسلاميون إلى تكريس سلطات الملك عبر مؤسسة إمارة المؤمنين التي قدموا أنفسهم كحماة لها، سعى اليساريون والعلمانيون عموما إلى تكريس سلطات نفس المؤسسة للحيلولة دون احتكار الإسلاميين للشأن الديني، وكانت نتيجة هذه التكتيكات المحدودة تأخير انتشار الوعي الديمقراطي بالمغرب واستمرار غموض معنى الديمقراطية في الأذهان[2]، يتمثل جوهر الخلاف بين التيارين الإسلامي والعلماني في مرجعية الفكر والعمل، والتي هي بالنسبة للعلمانيين مرجعية نسبية متعددة ومنفتحة على العطاء الحضاري للإنسانية، بينما هي بالنسبة للإسلاميين مرجعية مطلقة ممثلة في الشرع الإلهي المكتمل والمكتفي بذاته، والذي ينبغي تكييف كل المعطيات ومطابقتها معه وليس العكس[3].

ويمكن القول أن الصراع بين التيارين قد تطور حسب السياق التاريخي والمتغيرات الوطنية والدولية, فعلى الصعيد الداخلي أصبحت مطالب العلمانيين في التحديث والديمقراطية موضوع اعتراض القوى الإسلامية، مما جعل هذه الأخيرة حليفة لقوى التقليد داخل النظام، كما ظلت القوى اليسارية والعلمانية بالمرصاد لمطالب الإسلاميين في مزيد من الأسلمة وفق التوجه السلفي للتعليم والإعلام والحياة العامة، مما جعلها حليفة لقوى التحديث داخل النظام الذي ظل يعمل بوجهين وعلى واجهتين، ويستفيد من طابعه المزدوج الموروث عن فترة الحماية للامساك بخيوط اللعبة جميعها، مما ظل يشكل عامل إضعاف للحياة السياسية المغربية ولمسلسل التحديث البطيء، أما على الصعيد الدولي فقد شكل موضوع الإرهاب المعولم بعد 11 شنبر عنصر إثارة أضفى مزيدا من التوتر على العلاقات بين الطرفين، حيث استعمل اليسار تزايد التهديد الإرهابي المسلح والعنيف كذريعة لإضعاف مصداقية خصومه الإسلاميين مستغلا غموض مواقف التيار الإسلامي من الخلايا المتطرفة المنظمة بالمغرب. وكان لأحداث 16 ماي 2003 وقع الزلزال في المجتمع، وجعل التيار الإسلامي يمر بمرحلة عصيبة رغم إصداره بيانات التنديد بالإرهاب والتطرف، غير أن هذا النقاش الذي احتدم بعد ذلك ظل موجها من قبل التيار اليساري العلماني بالشكل الذي يجعل أصابع الاتهام موجهة إلى الإسلاميين[4].

هذا الصراع العقيم بين التيارين العلماني والإسلامي يدفعنا للتساؤل عن مستقبل العلاقة بين هذين التيارين الرئيسيين في الساحة السياسية المغربية هل ستظل علاقة توتر وصراع أم ستتحول إلى علاقة تعاون وتنسيق؟

استنتاج

إن ثمة حاجة ملحة لتعميق النظر في إشكالية العلاقة بين النخب ذات الخلفية العلمانية والتوجهات الإسلامية بالمغرب، وذلك على اختلاف مرجعياتها الفكرية وانتماءاتها السياسية ومواقعها المدنية، وذلك بغية فتح حوار شامل بين كلا الطرفين يعالج القضايا الجوهرية للبلاد، ويفتح إمكانيات التفاهم والتواصل والاستفادة المتبادلة، كما يحول دون الانزلاق نحومتاهات الاحتراب والصراع. إن تأسيس أي حوار إسلامي علماني بالمغرب يقتضي تقوية ثقافة القبول بالآخر والسعي لمعرفته والحوار معه باعتبار أن أي اصطدام هو هدر للقدرات الوطنية في كسب تحديات التنمية والتحديث، كما أن إنجاز مهمة الانتقال الديمقراطي تتطلب انخراطا لمجموع القوى الوطنية الإسلامية والعلمانية.


[1] نفس المرجع السابق ص 10.

[2] أحمد عصيد, مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين ص 10.

[3] . نفس المرجع ص 10.

[4] . نفس المرجع ص 12.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *