طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين

ماذا نقصد باشكالية العلاقة

إن صراع الحداثة والتقليد كان ولا يزال من أشد القضايا المطروحة على العقل العربي، فمن التأويل والتفسير والاختلاف في النصوص الشرعية، بدل الإجماع عليها، إلى الاختلاف في قدسية النصوص نفسها اليوم. لقد أثار مصطلح العلمانية من الجدل والصراع منذ فجر النهضة ما لم يثره مصطلح آخر حتى غدت ثنائية العلماني والإسلامي أكثر الثنائيات تداولا وأعتاها على التجاهل والنسيان. لقد تشبث كل فريق بمسلماته: العلماني من جهة والإسلامي من جهة أخرى، وتمترس بنظرياته مدعيا احتكار الحقيقة حتى تكلست الرؤى وتحجرت المفاهيم وتمايزت المواقع، وراح كل فريق فرحا بما عنده يرفض الآخر، ويروم نفيه أو إسكاته. فما جدوى الحوار؟ ما جدوى أن نرفع إشكالية العلمانية إلى منصة الحوار من جديد بعدما كانت قد أشبعت بحثا ودرسا إذا كانت آراء الطرفين العلماني والإسلامي متوازية لا تقبل الالتقاء؟

رأي التيار الإسلامي

إن أتباع التيار الإسلامي يرجعون أسباب التخلف إلى ابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم الصحيحة، وأخذهم ببدع وخرافات استعبدت عقولهم وشلتها عن التفكير السليم بقضايا الدين والدنيا، ويقولون بأن الحلول الحاسمة لكل هذه المشكلات تكمن في العودة إلى الينابيع الأولى لتلك التعاليم، أي إلى القرآن والسنة، التي على أساسها شيد المسلمون الأوائل حضارتهم العظيمة، وقوتهم التي واجهوا بها أعتى الإمبراطوريات وأقواها.

رأي التيار العلماني

ولكن التحديثيين العلمانيين كانت لهم وجهة نظر مخالفة تماما لهذا الطرح الديني، إذ قالوا أن العلاج الشافي لذلك التخلف يكمن في الفصل بين شؤون الدين من ناحية، وفي تبني الوسائل العلمية الحديثة والمؤسسات التي اعتمدها الغرب في بناء حضارته وتطويرها من ناحية أخرى. ولقد لعبت البرجوازية العربية المتأثرة بالثقافة الغربية دورا أساسيا في نشر هذا التيار وإنمائه.

هل سيكف الإسلامي عن رمي الآخر بالمروق والتنكر لتراثه وبالتقليد الأعمى في لحظة انبهار بالغرب؟ وبالابتداع والتحلل الأخلاقي والفكري وبالدنيوية والمادية علميا واقتصاديا وبالإفلاس في مشاريعه وتطبيقاتها عمليا وواقعيا؟ وهل سيكف العلماني بدوره عن تسفيه الآخر واختزال تاريخه وحضارته إلى مجرد أخيلة وصور يرسمها في عقله ليس لها من قرار؟

مهما يكن فإن الحوار إن انضبط بقواعده وآدابه يظل الوسيلة الأفضل لتليين ما تصلب، وتفتيت ما تكلس من أفكار، فلا شيء كالحوار يشحذ الأفكار ويحرض على توليدها، فالأفكار كائنات حية تولد وتنمو ثم تشيخ وتموت، إنما تولد الحقيقة من احتكاك الأفكار وتزاوجها أما الفكر الأحادي فإنه عقيم لا ينجب.

والمغرب كبلد إسلامي، كما تنص وثيقته الدستورية، وكما تشهد به الدراسات التاريخية، مع عولمة القيم الإنسانية المشترك، من حرية وحقوق الإنسان وديمقراطية، تسربت إليه مجموعة من الأفكار ذات التوجه العلماني، وأصبح لها أقلام تدافع عنها. في الوقت نفسه نجد أقلاما وأصواتها ذات توجه إسلامي تواجه هذا العقل المغربي المترع بالثقافة الغربية وبالحداثة، وهو نفس الوضع الذي عاشته أوربا في صراعها مع الكنيسة، لكنه صراع ضاعت فيه الأرواح وسفكت فيه الدماء، فهل سيعرف المغرب نفس الصراع ونفس النتائج؟ أم أن الصراع داخل المغرب سيكون محترما للتاريخ وللخصوصية المغربية وينصهر في شكل حوار ثقافي سياسي بين الطرفين العلماني والطرف الإسلامي؟ من هذه الأسئلة تتشكل الإشكالية الأساسية التي يعالجها هذا البحث، إشكالية تتمحور حول واقع ومستقبل العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين بالمغرب، خاصة مع التحول الذي بدأنا نلمسه من كلا الطرفين نحو التهدئة والحوار، فهل دخول العلمانيين والإسلاميين في حوار مع بعضهما البعض يعني تجاوز الوضعية السابقة التي حكمها الصراع؟ وهل يمكن تحقيق أية توافقات بين العلمانيين والإسلاميين؟ وهل يعني الدخول في توافقات تجاوزا للقضايا الخلافية الكبرى حول الديمقراطية والدولة وقضية المرأة ؟

خطة البحث: لقد فرضت الإشكالية التي نحن بصدد معالجتها في هذا البحث تقسيمه إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول تم فيه ضبط مفهوم الحوار لغة واصطلاحا وحددت أهميته, ثم محاولة ضبط مفهوم العلمانية لغة، وفي اصطلاح العديد من المفكرين العرب، ثم انتقلت إلى تحديد مفهوم إسلامي نسبة إلى الإسلام في اللغة وفي الاصطلاح، وتم تحديد الزاوية التي من خلالها سيتم التعامل مع هذا المفهوم “حركات الإسلام السياسي “.

الفصل الثاني خصصته لطرفي الحوار: “للإسلاموين والعلمانيون” لنتعرف كيف يفكر كل طرف؟ وكيف ينظر الإسلامي للعلماني والعلماني للإسلامي؟ ولنتعرف كذلك على إمكانية الحوار بين الطرفين. والوقوف على طبيعة العلاقة بين هذين التيارين في الماضي والحاضر والمستقبل.

لنخصص الفصل الثالث بعرض قضيتين لطالما كانتا موضع السجال والاختلاف وهما قضيتا الديمقراطية والمرأة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *